الشيخ محمد رشيد رضا
599
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يسير بهم إلى عدو من بلادهم . فلما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك قال له سعد بن معاذ واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه قال « أجل » فقال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول اللّه لما أمرك اللّه فوالذي بعثك بالحق ان استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما يتخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، انا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء « 1 » ولعل اللّه يريك منا ما تقرّبه عينك فسر بنا على بركة اللّه . فسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال « سيروا على بركة اللّه وأبشروا فان اللّه قد وعدني احدى الطائفتين واللّه لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم » * * * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ قال بعض العلماء ان هذه الآية نزلت في مجادلة المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر الدين والتوحيد . وهي بهم أليق ، ولكن ما قبلها وما بعدها في بيان حال المؤمنين وما كان من هفوات بعضهم التي محصهم اللّه بعدها فتعين كونها فيهم وفاقا لأبي جعفر ابن جرير فيه وفي رد ذلك القول ومشايعة ابن كثير له ، وذكر أن مجاهدا فسر الحق هنا بالقتال وكذا ابن إسحاق وعلل الجدال فيه بقوله كراهية للقاء المشركين وإنكارا لمسير قريش حين ذكروا لهم . وبيان ذلك ان المسلمين كانوا في حال ضعف فكان من حكمة اللّه تعالى أن وعدهم اللّه أولا إحدى طائفتي قريش تكون لهم على الابهام فتعلقت آمالهم بطائفة العير القادمة من الشام لأنها كسب عظيم لا مشقة في إحرازه لضعف حاميته ، فلما ظهر أنها فاتتهم وأن طائفة النفير خرجت من مكة بكل ما كان عند قريش من قوة وقربت منهم وتعين عليهم قتالها إذ تبين انها هي الطائفة التي وعدهم اللّه تعالى إذ لم يبق غيرها ، صعب على بعضهم لقاؤها على قلتهم وكثرتها ، وضعفهم وقوتها ، وعدم استعدادهم للقتال كاستعدادها ، وطفقوا يعتذرون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم اعتذارات جدلية بأنهم لم يخرجوا الا للعير لأنه لم يذكر لهم قتالا فيستعدوا له ، كأنهم يحاولون اثبات ان مراد اللّه تعالى بإحدى الطائفتين العير بدليل عدم أمرهم بالاستعداد للقتال ،
--> ( 1 ) صبر وصدق كل منهما بضمتين جمع صبور وصدوق